عبد الملك الجويني

333

الشامل في أصول الدين

ثم نقول : لو سلم لكم كل ما ادعيتموه ، فلم تحكمتم في التسمية مع صحة المعنى ؟ ولم جوزتم ذلك ؟ فهلا جوزتم تسمية اللّه تعالى سخيا من حيث كان جوادا ، وتسميته ففيها من حيث كان عالما ؟ فقد انسدت عليكم مسالك الكلام من كل وجه . ثم تلزمون أن تسموا الرب تعالى جسما مع الخروج عن قضية اللغة . فإن قالوا : إنما يمناه جواهرا من حيث وجدنا أصل الشيء اللسان يعبرون عن أصل الشيء بالجوهر ، ويسمون نسب الرجل جوهره ، ويعبرون عن جودة أصل الثوب بالجوهر فيقولون : هذا ثوب له جوهر ، يعنون له أصل . والقديم سبحانه وتعالى موصوف بالأقانيم ؛ أصل لها ، فكان جوهرا لذلك . قلنا : لا نسلم لكم أن الجوهر يعبر به عن الأصل ، بل يعبر به عن خطر الشيء ونفاسته ، أو عن ذاته . ومنه يسمي أثر السيف وفريده جوهرا ، من حيث كانت نفاسة النصل فيه . ومن ذلك سموا بعض الأحجار النفيسة جواهر . ثم نقول : لو صح ما قلتموه ، وجب أن تسموا القديم أصلا . وهذا مما تأبونه ولا تجوزونه . ثم نقول : الأقانيم عندكم في حكم الخواص ، وليست أوصافا زائدة على الذات ، فلو لزم تسميته جواهرا من حيث كان موصوفا بالأقانيم منعوتا بالخواص ، وجب تسمية العرض جوهرا ، إذ لكل عرض خصائص وصفات نفسية . إذ العلم يتصف بكونه عرضا علما ، فليكن أصلا لصفات نفسه ، حتى إذا كان أصلا لها ، كان جوهرا . وهذا ما لا محيص لهم منه . القول في الأقانيم وذكر مذاهبهم فيها مع استقصاء وجوه الرد فيها اعلموا أيدكم اللّه أن النصارى مع اختلاف مللهم ونحلهم مجمعون على التثليث « 1 » ، ومتفقون على صرف التثليث إلى الأقانيم . ونحن الآن نوضح مذهبهم في الأقانيم . فمن أصلهم أن الجوهر له ثلاثة أقانيم : الوجود والحياة والعلم . ثم الحياة والعلم عندهم ليسا بوصفين زائدين على الموصوف على خلاف مذاهب أهل الحق في إثبات الصفات ، بل من أصلهم أن الحياة والعلم صفتان نفسيتان الجوهر . ولو مثلث مذاهبهم بمثال لقيل : الأقانيم عندهم في حكم الأحوال النفسية عند مثبتي الأحوال . وسنوضح في كتاب « الصفات » أن مذهب أبي هاشم في الحياة والعلم ، نص مذهب النصارى . فإنه يصرف كون القديم عالما إلى حال ، ويخالف أصحابه حيث صرفوا ذلك إلى نفسه . ثم نقول : المقتضى للأحوال حال واحدة تقتضي للذات سائر الأحوال ، وهي أخص

--> ( 1 ) التثليث : من الثالوث : ما كوّن من ثلاثة ، ومنه الثالوث الأقدس رمزا للأقانيم الثلاثة عند النصارى .